فخر الدين الرازي

288

المطالب العالية من العلم الإلهي

خلقه وتكليفه مع علمه بأن عاقبته تؤدي إلى هذه الحالة : سعيا في الإضرار والإيلام . وذلك لا يليق بالرحمة . قال أهل السنة والجماعة : الرحمة الكرم إنما تتحقق على مذهبنا ، لا على مذهب المعتزلة . وذلك لأن الجود هو إفادة ما ينبغي ، لا لغرض . وعند المعتزلة أنه تعالى لو لم يعط الثواب والعوض ، فإنه يستحق الذم ، فهو بإعطاء ذلك الثواب ، وذلك العوض ، يتخلص من الذم ، وإذا تفضل فقد اكتسب استحقاق الحمد من العبد . ولولا ذلك التفضل ، لما حصل ذلك الاستحقاق . فثبت : أنه تعالى بإعطاء تلك المنافع قد اكتسب لنفسه منفعة وعوضا . فلم يكن هذا جودا . فأما على قولنا : إنه لا يجب على اللّه لأحد شيئا ، وأنه مستحق الثناء والحمد لذاته ، لا لأمر منفصل « 1 » عن ذاته . لم يكن [ لفعل « 2 » ] شيء من أنواع الجود والكرم ، أثر في تخليته « 3 » عن الذم ، ولا أثر في تحصيل مزيد استحقاق الحمد . فكانت عطاياه محض الجود والكرم والرحمة . والرحيم هو الذي يرحم وليس من شروطه أن لا يفعل الرحمة . فهو تعالى رحيم لمن أراد ، وقهار لمن أراد . كما أنه تعالى نافع ضار . واسم الرحمن يدل على المبالغة في الرحمة . وهذه المبالغة إشارة إلى وجهين : الأول : إن كل ما سواه فإنما يرحم لاكتساب عوض . وهو إما استحقاق الثواب ، أو استحقاق الثناء ، أو التخلص من الذمة ، أو دافع الرقة الحقيقية عن القلب . وكل ذلك أعواض . فأما الحق سبحانه فإنه يرحم لا لغرض أصلا . فكانت رحمته هي الرحمة الحقيقة . ولهذا السبب استحق أن يسمى رحمانا . والثاني : إن جميع الخلق لا يرحمون أحدا ، إلا إذا حصلت في قلوبهم

--> ( 1 ) متصل ( م ) . ( 2 ) من ( ط ) . ( 3 ) تخليفة ( م ) .